محمد محمد أبو موسى
129
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
المعتزلي . على أننا نذكر ما هو في أيدينا من الكتب التي عالجت نظم القرآن أو أشارت اليه ، وإذا كنا نعرف أن الجاحظ كتب كتابا في نظم القرآن ونوه به ، وأن أبا يزيد الواسطي كتب كتابا في اعجاز القرآن بنظمه ، فان ذلك يوحى الينا أن هناك جهودا أخرى كانت عاملا مهما في تطور فكرة النظم في محيط الدراسات القرآنية ، فكونت روافد مختلفة أفاد منها عبد القاهر الجرجاني في بسط الفكرة وتحليلها . وقد ذكر عبد القاهر اطباق العلماء على تعظيم شأن النظم فدل ذلك على أن القضية كانت ظاهرة في التراث الذي كان بين يديه . النظر في المفردات : والنظر في ملاءمة الكلمة لموقعها ووضع كل نوع من الألفاظ موضعه نظر قديم يرجع إلى ملاحظات الجاهليين في تحليل الشعر وتقويمه ، فالنابغة حين يخاطب حسان في أبياته المشهورة : لنا الجفنات الغرّ يلمعن في الضحى * وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ولدنا بنى العنقاء وابني مخرّق * فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما ويقول له : لقد قلت « الجفنات » فقللت العدد ، ولو قلت « الجفان » لكان أكثر ، وقلت « يلمعن في الضحى » ، ولو قلت » يبرقن بالدجى » لكان أبلغ في المديح ، لأن الضيف بالليل أكثر طروقا ، وقلت « يقطرن من نجدة دما » ، فدللت على قلة القتل . ولو قلت « يجرين » لكن أكثر لانصباب الدم ، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك ، انما يدرس ملاءمة المفردات ، ووضع الكلمات موضعها ، وينظر في اختيارها وفي أحوالها في الجمع والافراد ، وهذا درس في صميم مطابقة الكلمة لما يقتضيه مقامها الذي هو لب البلاغة . ومثل ذلك قول طرفة بن العبد للمتلمس - أو المسيب - لما سمع منه وصف البعير بوصف الناقة : « استنوق الجمل » ، ومنه ما قاله ابن هرمة الشاعر للرجل الذي أنشده بيته المشهور :